تأريخ كربلاء منذ القدم الى

القرن الثالث عشر

لم تكن كربلاء في المعهد القديم قبل الفتح الاسلامي بلدة تستحق الذكر ، ولم يرد ذكرها في التاريخ الا نادرا ، وأكثر ذلك في عرض الكلام عما كان يقع في الحيرة وقرية الطف من الوقائع ـ بل كانت هي قرية بسيطة عليها مزارع وضياع لدهاقين الفرس ، وكان سكانها أهل حراثة وزراعة .
كربلاء بالمد : ذكر ياقوت في المعجم (1) حول اشتقاقه من كربله رخاوة في القدمين ، جاء يمشي مكربلا ، وعلله لرخاوة أرضها وتربتها ونقاء حنطتها واستشهد :
يحملن حمراء رسوبا بالنقل قد غربلت وكربلت من القصل
قال : والكربل (2) اسم نبت الحماض واستشهد بوصف أبو وجزه لعهون الهودج :
وثامر كربل وعيمم دفلى عليها والندى سبط يمور
من الممكن أن تكون قيمة لما علل ، ان لم تكن أصل اللفظة أعجمية (3) .
____________
(1) معجم البلدان لياقوت الحمودي ج 7 : ص 229 .
(2) جاء في تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي ج 8 ص 97 . عدة وجوه في اشتقاق لفظة كربلاء منها يقول من كربل بالفتح قيل هو نبات له نور أحمر مشرق اذ يقول أبو حنيفة في ذلك :
كان جني الدفلي يخشى خدورها ونوار ضاح من خزامى وكربل
(3) راجع أيضاً حول اشتقاق لفظة كربلاء : لسان العرب لابن منظور ج 11 ص 587 ط بيروت والصحاح للجوهري ج 5 ص 1810 . ومجالس المؤمنين للقاضي نور الله الشوشتري ص 25 . والبستان للشيخ عبد الله البستاني ج 2 . ص 267 .

( 6 )

وأورد عند ذكر الكوفة (4) عن السبب الذي بعث على اتخاذ موقعه معسكراً ، قال : على أثر الفشل الذي مني به القائد الاعلى سعد بن أبي وقاص والموفقية التي حازها خالد بن عرفطة في فتح ساباط أولا ، ثم استتبعه فتح البقية المدائن عاصمة الدولة الساسانية ، وتكلل فوز المسلمين بأكاليل النصر ، وتم لهم الغلبة ، أرغم يزدجرد الملك بالانسحاب والتقهقر مقهورا الى اصطخر ، فارس ، عطفوا عندها باتخاذ قاعدة تكون معسكرا لهم على تخوم الجزيرة ، فاختاروا كربلاء ولتمنع ساكنيه من التسليم والخضوع لارادتهم قصدهم خالد بن عرطفة وفتح كربلاء عنوة وسبى أهلها ، وقسم سعد أرباضها بين أصحابه ، ونزل كل قوم في الناحية التي خرج سهمه بها ، فأحيوها .
فلاطلاق لفظ كربلا على مدده عامرة عند الفتح ، لابد من أن يكون جاهلي الاصل وبزعم مجوس دور الفهلوية ومعتقدهم كان بيت نار ، على ما ذكره مؤلف ( دبستان المذاهب ) (5) ، يطلقون لفظة بـ ( كار بالا ) ومعناه : الفعل العلوي ، فعرب بكربلاء .
ومن المحتمل ان المسلمين خففوا لفظ كربلا من كور بابل كما خففوا لفظ بورسيا بلفظ برس ، وهو لغة نبطي بابلي ، على ان كربلا ومطلق القطع المتلاصقة ببعضها هي ضواحي القسم الغربي من مدينة بابل .
في مبدأ الفتح في عهد خلافة أبوبكر ، عندما هادن أهل الحيرة ـ دهاقين الفرات الاوسط ـ خالد بن الوليد ، شكا عبد الله بن وثيمة النصري ذباب كربلاء ، وقال رجل من أشجع :
____________
4)) معجم البلدان ج 7 ص 296 ، طبعة مرجليوث .
(5) راجع حول مؤلف هذا الكتاب ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة للعلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني .
(6) تأريخ الطبري ج 4 . ص : 192 ، ومعجم البلدان ج 7 ص 229 ط مصر .

( 7 )

لقد حبست في كربلا مطيتي وفي العين حتى عاد غثاً سمينها
اذا رحلت من منزل رجعت له لعمري وأيها انني لأهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة رفاق من الذبان زرق عيونها (6)

وتناقلت الألسن أنباه الشكوى والشعر وأحيط بعلم الخليفة عمر بن الخطاب في حينه فعند وصول كتاب سعد يخبره بما قام به ، لم يرتضه للمسلمين معسكراً . وأمر سعد بتحويلهم ونقلهم منها ، فحولهم سعد من كربلاء الى سوق حكمه (7) ، ويقال الى كويفة ابن عمر دون الكوفة (8) .
فأغفل ذكر كربلاء بعدها . الى أن ولي أمير المؤمنين علي سلام الله عليه الخلافة فوردها عند مسيره لحرب معاوية في سهل صفين ، فوقف عندما بلغ هذه الارض (9) وأخبر عما سيكون لولده الحسين ـ ع ـ من الحوادث
____________
(7) صوق حكمه : بالتحريك موضع بنواحي الكوفة . نسب الى حكمه بن حذيفة بن بدر . وكان قد نزل عنده ( معجم البلدان ج 5 . ص 176 ) .
(8) معجم البلدان ج 7 ص 396 .
(9) وقد ورد ان سلمان الفارسي الصحابي الجليل قد مر بها عند مجيئه من المدينة اذ يحدثنا الكشي في رجاله ( ص 24 ) في سنده عن ابن نجيه الفزاري . قال : لما أتانا سلمان الفارسي قادما فتلقيته ممن تلقاه فسار حتى انتهى الى كربلاء فقال : ما يسمون هذه ؟ قالوا : كربلا . فقال : هذه مصارع اخواني ، هذا موضع رحالهم ، وهذا مناخ ركابهم وهذا مهراق دمائهم . قتل بها خير الاولين ، ويقتل بها خير الآخرين ، ثم سار حتى انتهى الى حروراء . فقال ما تسمون هذه الأرض ؟ قالوا : حرورا ، فقال : خرج بها شر الاولين ويخرج بها شر الآخرين . ثم سار حتى انتهى الى بانقيا وبها جسر الكوفة الاول ، فقال : ما تسمون هذه ؟ . قالوا : بانقيا . ثم سار حتى انتهى الى كوفة . قال : هذه الكوفة ! قالوا : نعم ، قال قبة الاسلام » انتهى أقول : هذا الترتيب الذي ذكر لسلمان عند قدومه العراق ، لا يصح الا للوارد الى العراق من الشام لا من الحجاز ، اذ بانقيا على ما ذكر أرباب كتب الفتوح تقع على سيف البادية على خط الحيرة قريبة من أرض النجف ، ثم يتلو بانقيا الكوفة ثم كربلاء ثم حرورا . هذا وسلمان لم يقدم

( 8 )

والشئون فيها . والمستفاد من ذلك لم يكن محل موقفه الذي وقف فيه واخبر عن ذلك سوى صحراء خالية لا أثر بها خلا بعض نخيلات (10) . على إن هذا لا يكون دليلاً قاطعا على عدم وجود عمران وأبنية فيها . اذ من الجائز أن تكون الوقفة الشريفة على بعض نواحيها لا نفس موقعها . أو أنه من الجائز أن أخذت الى الخراب والدثار بعد ترك سعد بن أبي وقاص لها ، وتحوله عنها الى موضع الكوفة ، بعد أن سبا أهلها ، فلم يسكنها أحد بعد ذلك اللهم الا بعض الصعاليك . وأخذت الى التقهقر يوما بعد يوم حتى أن قضت آخر أدوارها في زمن وجيز .
هذا ورغما على مر كرور الليالي والايام عن بعد ذلك الزمن الشاسع واهمال المؤرخين والجغرافيين عن تعريف موقعها . حفظ لنا يد التواتر محلها وأقام براهينه وجود الأطلال والهضبات الحاكية لنا عن قديم آثارها .
يوجد اليوم على ما بلغني على بعد بعض أميال في القسم الشمالي الغربي من مدينة كربلاء باتجاه ضريح الحر بن يزيد الرياحي في أرض القرطه والكمالية . أكم وأطلال قيل انها كربلاء الأصلية . وقبل سني الحرب العالمية الاولى كان بعض أفراد من مطره يستخرجون من نفس الأطلال طابوق فرشي ضخم سلطاني يحملونه على حميرهم الى كربلاء لبيعه على الأهلين كوسيلة للعيش والارتزاق ( وأذكر في هذا الخصوص ان السيد كاظم العطار كان مشغولا ببناء داره الواقعة في حارة باب الطاق مقابل امام بارة الأميرة تاج داربهو الهندية . يبتاع منهم لبنائه ) (11) .
____________
العراق الا من الحجاز . واختلفوا في سبب قدومه ، اذ ذكر البعض انه حضر غازيا فتوح ايران . بينما يذكر العلامة النوري في ( نفس الرحمن في فضائل سلمان . طبع حجر ) : توجه سلمان من المدينة الى المدائن واليا عليها في خلافة ابن الخطاب بعد ما عزل حذيفة عنها .
(10) ترجمة فتوح ابن أعثم الكوفي ص 16 .

( 9 )

وفي الجنوب الشرقي من البلدة المشرقة قطعة أرض يطلق عليها اليوم لفظة ( كربله ) بهاء . ويزعم من لا علم له بذلك انها القرية التي كانت عليها المزارع حين ورود أبي عبد الله ( ع ) اليها . ومنها اشتق الاسم لهذه البلدة . وقد بنا بها النواب ناصر علي خان اللاهوري بناء جليلا . وبذل الأموال الجزيلة لاعمار هذه القطعة من الأرض بعد أن ابتاعها من الحكومة العثمانية . ولما كانت تتصل بهور السليمانية فقد تكرر اطلاق الماء عليها . وذهبت بمجاسنها ولم يبق بها الا القليل من ذلك . وببنائه اليوم يسكن أحفاده ، وتجرى لهم الارزاق الكافية وهم على كمال السعة .
فلم يعد يحدثنا التأريخ عن كربلاء بعد تلك الواقفة ( أي وقفة أمير المؤمنين ـ ع ـ ) الا بعد مرور ربع قرن من الزمان ولكن هذه المرة
____________
(11) وقد جاء في نسخة أخرى من هذا الكتاب عن موضع كربلاء القديمة ، ما نصه :
فموقع ( كربلاء ) اليوم على ضوء التحقيق الذي قمت به ، واقع على بعد بضع أميال في الشمال الغربي من بلدة كربلاء ـ الحالية ـ مما يلي أرض القرطة ، وهو مكان مرتفع يسمى باصطلاح اليوم : الظهيرة أو العرقوب . ويبعد موقعها عن قبر الحر بم يزيد الرياحي حوالي سبعة آلاف متر . ( وتعود ملكيتها اليوم لآل بحر العلوم القاطنين في هذه البلدة المشرفة ) ومنهم السيد جواد أفندي الذي توفي قبل أيام .
وقد جاء في ( نفس الرحمن في فضائل سلمان . للعلامة الميرزا حسين الطبرسي ) عن موضع كربلاء ما نصه : واما كربلا فالمعروف عند أهل تلك النواحي انها قطعة من الارض الواقعة في جنب نهر يجري من قبلي سور البلدة ، يمر بالمزار المعروف بابن حمزه . منها بساتين ومنها مزارع والبلدة واقعة بينها ) اقول : يا لله ما لشيخنا الجليل قدس سره أن يخوض ما يقصر عنه علمه . وكيف يعتمد على من لا علم لهم ويعول عليهم بالتحقيق . فأين النهر الذي يجتاز قبلي سور البلدة . واذا قصد نهر الهندية فأين بعده عن السور وأين قبر ابن حمزه عنه . وما قبر ابن حمزه الا على شرق السور بمسافة . وان قصد نهرها لم ينطبق مع الحقيقة . نعم على موضع قلعة ناصر علي خان اللاهوري يطلق لفظ كربله لا كربلاء .

( 10 )

بحديث ذي شجون عن أعظم مأساة في تأريخ البشرية . ألا وهي الحادثة الشهيرة بواقعة الطف أو يوم عاشوراء في يوم الجمعة العاشر من محرم الحرام لسنة 61 هجرية التي استشهد فيها سبط الرسول وحبيب البتول الامام الحسين بن علي سلام الله عليهما وجمع من أصحابه رضوان ألله عليهم (12) .
هذا ولم تكن كربلاء عامرة يوم ورود الحسين ـ ع ـ لها يوم الخميس الثاني من المحرم سنة 61 هـج وهو على ظهر جواده على شفير ذلك الوادي الا بعض قرى تحف أطرافها كشفيه والغاضريات ونينوى وماريه (13) والعقر التي بقيت آخر أثر للبابليين لا يزال قائماً . هذا واذا أراد الله شيئاً هيئ أسبابه ، اذ قد قدر أحياء اسم كربلا وبقاء التلفظ بلفظتها . لم يرتض الحسين ( ع ) من أسماء القرى التي أخبروه بها سوى اسم كربلا . اذ عندما طرقت لفظتها مسامعه الشريفة . . ارتضاها من غير تأن ولا توان بحيث كأنه تفوه بلفظتها مع مخبره عن تلك الأسماء . فلم يكد أن قال : هي هي هي والله محط رحالنا ومناخ ركابنا ومسفك دمائنا ، ثم أمر بأثقاله فحطت وبسرادفه فأقيمت . ثم كان من أمره ما كان ليوم التاسع من نزوله سلام الله عليه . كربلا . . . . فأخذت لفظتها بعد وقوع هذا الحادث الأليم مما جرى على بسيط أديمها من ضروب الفضاعة وغلواء صنوف الشناعة من تفنن أهل الكوفة في الاتيان بأنواع الطرق البربرية ، حتى أظهروها الغاية وبلغوا مراتب النهاية في ذلك . بحيث لم يعهدنا التأريخ بمثله منذ أقدم الأعصر الغابرة ، وان قلنا من حين أن عرف النوع الانساني ، لجاز
____________
(12) وتأتي تفصيل هذه الواقعة المروعة في الجزء الثاني من هذا الكتاب .
(13) راجع بشأن هذه القرية والقرى الاخرى التي كانت تحيط كربلاء يوم ورود ابي عبد الله عليه السلام لها في ( الزهر المقتطف في أخبار أرض الطف ) للعلامة المؤلف . وهو مصنف نفيس لا نظير له في موضوعه .

( 11 )

ذلك . بما فاضت تلك الأرض القاحلة من دماء الأبرياء الذين ثبتوا في ذلك اليوم في مستنقع الموت . ذباً وراء نفوسهم الطاهرة . واباء عن مديد الذل الكريم انوفهم الحمية ، حتى أعجبوا الملأ الأعلى لعظيم صبرهم فضلا عن أهل البرية .
ومن ذلك الحين ذاع صيت هذه الآفاق وانتشر في الاقطار . وقد جاء ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم ، ففي أول بيت شهر وردت لفظتها :
أبكي قتيلاً بكربلا . . . . . . . .
ثم البيت :
غادروه بكربلا صريعاً لا سقى الله جانبي كربلا (14)
ثم تلاها قول السهمي (15) :
مررت على قبر الحسين بكربلا ففاض عليه من دموعي غزيرها
وقوله :
سلام على أهل القبور بكربلا وقل لها مني سلام يزورها
وقول كشاجم :
وأظلم في كربلا يومهم ثم تجلى وهم ذبائحه(16)
وقول السوسي :
كم دموع ممزوجة بدماء سكبتها العيون في كربلاء
وقول منصور النمري (17) :
____________
(14) في معجم البلدان ، الشطر الثاني : لا سقى الغيث بعده كربلا والبيت لزوجة الحسين (ع) عاتكة بنت عمرو بن نفيل في رثائها للحسين .
(15) امالي الشيخ الطوسي ص 148 .
(16) مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 117 ط . طهران .
(17) زهر الآداب في هامش العقد الفريد للحصري ج 2 ص 272 .

( 12 )

بيثرب كربلاء لهم ديار نيام الاهل دارسة الطلول (18)
وقول الزاهي :
وأضحى بكم كربلا مغربا كزهر النجوم اذا غورت
الى ما هنالك من ذكر لفظتها ، وان أردنا استيعاب ذلك لم تسعنا المجلدات لكثرته اذ لم يخل بيت شعر رثي به الحسين (ع) من ذلك .
هذا وموضع تلك الواقعة ، صار مقصد الراغبين وبغية الطالبيين ، بعد قيام الأسديين أهل الغاضريات بدفن الجثث الطاهرة ، والأجساد المضرجة بالدماء التي أريقت بسيف البغي والعدوان . الا ان أشلائهم بم تقبر كلها في صعيد واحد . اذ لم ترض بنوا تميم ترك شلو صاحبهم الحر بن يزيد عند تلك الاشلاء ، أخذوه الى موضع قبره المعلوم ، وشلو العباس بن علي (ع) ترك على المسناة على شاطئ العلقمي لتعسر الحاقه بجثة أخيه ، اذ كانت أربا أربا . الا ان الحائر محيط بأشلاء بقيتهم . وليس اليوم علما يركن اليه للوقوف على حفرهم ، سوى الحسين (ع) وولده المقتول بين الشهداء كأنهم اقبروا فيه . وعلم يشير الى ضريح حبيب بن مظاهر الأسدي .
فكان أول من زار الحائر بعدما حازت تربتها تلك السعادة الأبدية ، عبيد الله بن الحر الجعفي (19) لقرب موضعه منها ـ اذ كان على الفرات ـ
____________
(18) في بحار الأنوار للمجلسي ( ج 45 ص 289 ) : بتربة كربلاء .
(19) وقد وردها المختار ابن أبي عبيدة بعد رجوعه من الحج . وسلم على القبر ، وقبل موضعه ، وأخذ بالبكاء وقال : يا سيدي قسما بجدك وأبيك وأمك الزهراء وبحق شيعتك وأهل بيتك ، قسماً بهؤلاء جميعاً أن لا أذوق طعاماً طيباً أبداً ، حتى انتقم من قتلتك » . عن مجالس المؤمنين ص 172 .

( 13 )

وقف على القبر الشريف واستعبر باكياً متأوها كمدا على ما فاته من القيام بالسعادة وفوزه بمراتب الشهادة بين يدي سيد السادة . منشدا أبياته الشهيرة التي يقول فيها (20) :
فواندمي أن لا أكون نصرته ! ألا كل نفس لا تسدد نادمه !
وإني لأني لم أكن من حماته ، لذو حسرة ما إن تفارق ، لازمه !
سقى الله أرواح الذين تآزروا على نصره سقياً ، من الغيث ، دائمه !
وقفت على أجدائهم ومحالهم فكاد الحشى ينقض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى سراعاً الى الهيجا حماة ضبارمه
تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
فان يقتلوا فكل نفس زكية ، على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
وما أن رأى الراؤن أصبر منهم لدى الموت سادات وزهراً قماقمه
واللوم ابن زياد وعتبه اياه لعدم رؤيته لذلك المشهد الفضيع ، فقال يعنيه :
أتقتلهم ظلماً وترجوا ودادنا ؟ فدع خطة ليست لنا بملائمه !
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم فكم ناقم منا عليكم وناقمه ؟
أهم مراراً أن أسير بجحفل الى فئة زاعت عن الحق ، ظالمه
فكفوا ! والا زرتكم في كتائب أشد عليكم ، من زحوف الديالمه (21)
وعند تحقق خبر شهادته في الأقطار قصدته العقم من النساء ، مائة ألف امرأة ، لما عند العرب من العوائد في المرة التي لا تلد ، أن تحضر
____________
(20) في هامش خزانة الادب للبغدادي ( الطبعة السلفية ) ج 2 ص 138 تعقيب على هذه الابيات هذا نصه : ( غير ان الادبيات الميمية ليست له البته وانما هي للحر بن يزيد الرياحي ، كما هو عند أبي مخنف . فلا أدري هل هذا الوهم من أبي سعيد أو من نساخ كتابه ، أو من البغدادي . . . ) . وهذا زعم باطل مغرض ، اذ ان الابيات نفسها ترد على ذلك . ( عادل )
( 14 )

قبر رجل كريم (22) .
وقيل التي لا يعيش لها ان أتت الشريف المقتول غدرا ، ووطئت حوله عاش لها (23) . وقد عنى الكميت بن زيد الأسدي ذلك في الهاشميات ، حيث قال :
وتطيل المرزآت المقاليت اليه العقود بعد القيام (24)
وهناك ورد وفد ابن عبد الله الأنصاري جابر في جماعة من الهاشميين ، يوم العشرين من صفر سنة الشهادة . وقد عد البعض ذلك ضرب من المستحيل ان كان واردا من الحجاز لما يستغرق من الوقت لوصول الخبر
____________
(21) شرح خزانة الادب للبغدادي . ج 1 : ص 299 . وج 2 ص 139 من ط : السلفيه .
(22) بحار الأنوار للمولى ذو الفيض القدسي الشيخ محمد باقر المجلسي . ج 22 : ص 124 .
(23) بلوغ الارب في معرفة أخبار العرب لمحمود شكري الآلوسي في 2 : ص 351 .
(24) قال ابن السكيت ان العرب كانت تقول : ان المرأة المقلاة ـ وهي التي لا يعيش لها ولدا ـ اذا وطئت أرض القتيل الشريف عاش ولدها .
قال بشر بن حازم :
تظل مقاليت النساء يطانه يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
وقال أبو عبيده : تتخطاه المقلاة سبع مرات ، فذلك وطؤها له .
وقال ابن الاعرابي : ويطاؤن حوله ، وقيل انما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدرا أو قودا .
وقال آخر :
تركنا الشعثمين برمل خبت تزورهما مقاليت النساء
وقال آخر :
بنفسي الذي تمشي المقاليت حوله يطاف له كشحا هظيما مهشما
وقول آخر :
تباشرت المقاليت حين قالوا : ثوى عمر بن مرة بالحفير
( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 : ص 439 ) .

( 15 )

الى المدينة ثم مجيئهم الى كربلاء . ولا يمكن تعليل ذلك الا بوجود جابر في محل قريب من كربلاء عند بلوغه الخبر فأمكنه الوصول في ذلك اليوم ـ أو انه قد وفد في السنة التي تلت سنة الشهادة . هذا وعندما بلغ جابر الغاضرية ، اغتسل في شريعتها وتقمص بأطهر ثيابه ، وتطيب بسعد كان مع صاحبه عطاء . ثم سعى نحو القبر الشريف ، حافي القدمين وعليه امارات الحزن والكآبة ، حتى وقف على الرمس الكريم ، انكب ووقع مغشياً عليه . . . وعند اقامته من غشوته ، سمعه عطاء يقول : السلام عليكم يا آل الله (25) .
ثم ذكروا ملاقاته للسجاد علي بن الحسين ( ع ) ـ في ذلك اليوم ـ مع أهل بيته راجعاً من الشام ، وهو حامل للرأس الشريف وسائر الرؤوس لالحاقها بالخبث الطاهرة ـ أو الرأس الشريف فقط ـ بعد اطلاق سلبيهم من قيد الأسر . ان التصدي لتوثيق صحة هذا الخبر وتأكيده ، لهو من الاستحالة بمكان . اذ كيف تسنى للسجاد بطي الارض بهذا الزمن القصير ، مع ما هم عليه من المصائب والحزن على استشهاد الحسين ـ ع ـ حيث قادوهم من ساحة كربلاء الى الكوفة وبقائهم بها مدة استئذان ابن مرجانة طاغيته ( يزيد ( في حملهم اليه . وتسييرهم بعد صدور ارادة يزيد وقد ساروا بهم على طريق الفرات ، واجتازو بهم حلب حتى دخلوا بهم الشام في اليوم السادس عشر من ربيع الاول على ما نص عليه عماد الدين الحسن بن علي الطبرسي في كتابه الموسوم بـ : الكامل البهائي ( 61 صنيع الدولة ) . مع انه لم نقف على مدة اقامتهم بالشام . الا وقد ورد انهم أقاموا شهرا في موضع لا يكفهم من حر ولا برد ( بحار ج 21 : ص 203 ) فنرى من ذلك انه من الصعوبة بمكان قدوم السجاد وأهل بيته من الشام في نفس السنة التي استشهد فيها الحسين وفي نفس ذلك اليوم . ولا يمكن تعليل
____________
(25) بحار الانوار ج 21 ص 203 .
( 16 )

ذلك ، سوى ما ذكرناه من تعليل لمجيء جابر لكربلاء وهي ورودهم لها في السنة التي تلت الحادية والستين . ولم يتعرض المفيد قدس الله روحه الى ذكر ورودهم كربلاء بعد اطلاق سبيلهم الا ان السيد ابن طاوس قال : « أمر يزيد برد الأسرى وسبايا الحسين عليه السلام الى أوطانهم بمدينة الرسول ، وأما الرأس الشريف ، روى انه اعيد فدفن بكربلا (26) مع جسده الشريف » . ومن الغريب ان ابن طاوس قد ذكر العبارة السالفة بعد أن ذكر تمنع يزيد عندما أراد السجاد رؤية وجه أبيه ، فضلا عن اعطائه اياه . واعتذر بعد أن أورد لفظ الحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر بهذه العبارة « وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار اليه . ورويت آثار كثيرة مختلفة غير ما ذكرناه ، تركنا وصفها كل لا ينفسخ ما شرطناه » . ثم أوصل كلامه بهذه الجملة : « ولما رجعت نساء الحسين ـ ع ـ وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا لله ليل مر بنا على طريق كربلاء . فوصلوا الى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالا من آل رسول الله صلى الله عليه وآله قد وردوا لزيارة قبر الحسين ( ع ) . فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد واجتمع اليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياما » (27) .
ومع هذا لم تكن كربلاء في القرن الاول الهجري عامرة ، مع ما كان في أنفس الهاشميين وشيعتهم من شوق ولهفة في مجاورة قبر سيد الشهداء لم يتمكنوا من اتخاذ الدور واقامة العمران خوفا من سلطان بني أمية .
وقد أخذت بالتقدم في أوائل الدولة العباسية ، ورجعت القهقري في
____________
(26) سيأتي تفصيل ما قيل في محل الرأس الشريف ، وفصل القول به ، في الجزء الثاني من هذا الكتاب .
(27) اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاوس ص 176 .
(28) راجع الفصل الموسوم بـ : ( أخبار عن الحائر وزائريه ) .

( 17 )

أيام الرشيد (28) . وقد ازداد خرابها في أيام المتوكل لأنه هدم قبر الحسين ( ع ) فرحل عنها سكانها .
ثم أخذ الشيعة في أيام المنتصر يتوافدون الى كربلاء ويعمرونها . ( وكان أول علوي سكنها ، وهو تاج الدين ابراهيم المجاب حفيد الامام موسى بن جعفر عليهما السلام ، وقد وردها في حدود سنة 247 هجرية ) . واتخذت الدور عند رمسه ، وقامت القصور والأسواق حوله ولم يمض قرن أو بعض قرن ، الا وحول قبره الشريف مدينة صغيرة بها آلاف النفوس .
وقد زارها السلطان عضد الدولة بن بويه (29) سنة 370 هجرية ، وكانت قرية عامرة بالسكان ، وعدد من جاور القبر في ذلك العهد من العلويين فيها خاصة ما يربوا على ألفين ومائتين نفس . فأجزل لهم عضد الدولة في العطايا ، وكان ما بذل لهم مائة ألف رطل من التمر والدقيق ومن الثياب خمسمائة قطعة (30) .
____________
(29) فرحة الغري : ص 59 .
(30) وقد زار كربلاء من البويهيين : عز الدولة عام 366 هـ مع ابن بقية بعد أن استخلف على بغداد الشريف أبا الحسن محمد . ( تكلمة تأريخ الطبري للهمداني ، ص 231 ) .
وفي سنة 369 هـ في زمن عضد الدولة ـ أطلقت الصلات لاهل الشرف والمقيمين في المشهدين الغري و ( الحائر ) على ساكنهما السلام وبمقابر قريش ، فاشترك الناس في الزيارات والمصليات بعد عداوات كانت تنشؤ بينهم ( انظر تجارب الامم لابن مسكويه ج 6 ص 407 ) .
وفي سنة 402 هـ واصل فخر الملك الصدقات والحمول الى المشاهد بمقابر قريش والحائر والكوفة ، وفرق الثياب والتمور . ( المنتظم ج 7 ص 256 ) . وقد زارها من البويهيين أيضاً الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة ، وترجل قبل أن يرد المشهد بنحو الفرسخ تعظيما واجلالا لقبر سيد الشهداء . وكان ذلك سنة احدى وثلاثين وأربعمائة . ( الكامل ج 9 . وراجع أيضاً المنتظم ج 8 ص 105 ) .

( 18 )

ووصف الصنجي حال عمرانها وقد وردها بعد تمام القرن السابع وأول القرن الثامن (31) ، قال : « هي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخيل ويسقيها ماء الفرات ، والروضة المقسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية
____________
وفي سنة 436 هـ قد سار الملك أبا كاليجار البويهي الى بغداد في مائة فارس ، فلما وصل النعمانية لقيه دبيس بن مزيد ، ومضى الى زيارة المشهدين بالكوفة وكربلاء . ( الكامل ج 8 ص 40 ) . وفي المنتظم ( ج 8 ص 45 ) في حوادث سنة 442 : وخرجوا الى زيارة المشهدين مشهد علي والحسين . . . وخرج من الاتراك وأهل السنة من لم يجر به عادة . وزارها من السلاجقة في النصف الثاني من القرن الخامس ( سنة 479 ) السلطان ملكشاه السلجوقي مع وزيره نظام الملك عندما كان ذاهباً للصيد في تلك الانحاء ( الكامل ج 9 ) ، وفي المنتظم أنه أمر بتعمير سور الحائر ( المنتظم ج 9 ص 29 ) . وفي سنة 529 مضى الى زيارة علي ومشهد الحسين عليهم السلام خلق لا يحصون وظهر التشيع ( المنتظم ج 10 ص 52 ) . وفي ربيع الآخر سنة 553 هـ ، خرج الخليفة المقتفي بالله بقصد الانبار وعبر الفرات وزار قبر الحسين عليه السلام ، ( المنتظم ج 10 ص 181 ) . وفي سنة 634 هـ الخليفة المستنصر بالله العباسي أبرز ثلاثة آلاف دينار الى الشريف الاقساسي ( نقيب الطالبيين ) وأمر ان يفرقها على العلويين المقيمين في مشهد أميرالمؤمنين علي والحسين وموسى بن جعفر عليهم السلام . . ( الحوادث الجامعة لابن الفوطي ص 95 ) . وقد زارها الملك الناصر ابن الملك عيسى الايوبي سنة 653 هـ عند مجيئه للعراق لاخذ جوهرة عظيمة ، كان قد بعثها من حلب وديعة عند الخليفة المستعصم العباسي ، ثم توجه من كربلاء الى الحج بعد أن أيس من أخذها . ( المختصر في أخبار البشر لابي الفداء ج 3 ص 191 ) .
(31) وممن زار كربلاء في القرن الثامن السيد نور الدين نعمة الله ولي من العلماء المتصوفه ـ الذي يرتقي نسبه الى الباقر ( ع ) والمولود في حلب سنة 731 هـ ـ قاصدا من همدان الى زيارة عتبة المشهد الحسيني . وفي حوالي مدينة الحلة الذي لم يوجد فيها آنذاك سوى الماء المالح ، حفر السيد بثرا حلو الماء . فعرف ببئر نعمة الله . وبعد زيارة كربلاء ، اعتكف أربعون يوما بجوار سرداب مقتل الحسين ( ع ) . أمضاها في صوم النهار ، وبالصلاة والتهجد والبكاء في الليل والاسحار ، وبعد

( 19 )

كريمة (32) فيها الطعام للوارد والصادر . وعلى باب الروضة الحجاب والقومه ، لا يدخل أحد الا عن أذنهم ، فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة ، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة ، وعلى أبواب أستار الحرير . وأهل هذه المدينة طائفتان : أولاد زحيكوأولاد فائز ، وبينهم القتال أبداً ، وهم جميعاً أمامية يرجعون الى أب واحد ، ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة (33) .
وحوالي نفس التأريخ ، وصفها المؤرخ والجغرافي الشهير حمد الله المستوفي بقوله : « وغربي الكوفة بثمانية فراسخ في صحراء كربلاء مشهد الحسين ( ع ) المعروف بـ ( المشهد الحائري ) . وقد ذكر في عهد الخليفة المتوكل انه أجرى الماء عليها بقصد تخريبه حتى حار الماء عند قبره الشريف وظلت البقعة الطاهرة عند القبر جافة . وقد شيد عمارته عضد الدولة فنا خسرو الديلمي . وحول هذا الموضع قرية مساحتها ألفين وأربعمائة خطوة » (34) .
ولم يغفل الجغرافيون المسلمون الأوائل عن ذكر كربلاء . ولكن
____________
زيارته للعتبات المقدسة في العراق . شد رحاله الى القاهرة . وفيها اجتمع بالسيد حسين الاخلاطي الصوفي الشهير ، وأخذ عنه بعض العلوم الغريبة . ثم سافر الى مكة المعظمة ولازم فيها الشيخ عبد الله اليافعي الملقب بـ ( نزيل الحرمين ) سبعة أعوام . ثم رجع الى ايران وزار المشهد ومنها توجه الى سمرقند حيث تلاقى مع الامير تيمور كوركان ( لنك ) . ( ملخصة عن رياض السياحة شيرواني صاحب بستان السياحه ج 1 ص 233 ) .
(32) يعتقد السيد حسن الكليدار ان هذه المدرسة هي مسجد ابن شاهين البطائحي ، وان الزاوية الكريمة هي : ( دار السيادة ) التي انشأها محمود غازان . ( عادل )
(33) رحلة ابن بطوله ص 139 . وقد وردها سنة 726 .
(34) نزهة القلوب لحمد الله المستوفي القزويني وقد صنف كتابه في النصف الاول من القرن الثامن الهجري .

( 20 )

مع بالغ الأسف اقتصروا في ذكرها فقط على انها مدينة تقع في غربي الفرات بحذاء قصر ابن هبيرة (35) .
وكان أكثرهم ذكراً عنها هو ابن حوقل النصيبي الذي قال : وكربلا من غربي الفرات فيما يحاذي قصر ابن هبيرة ، وبها قبر الحسين بن علي صلوات الله عليهما . وله مشهد عظيم وخطب في أوقات من السنة بزيارته ، وقصده جسيم (36) .
وقد أكثر المتأخرون من وصفها والاشادة بها . فكان ممن وصفها القاضي نورالله الشوشتري ـ في القرن العاشر ـ وصفاً يسيراً في مجالسه ( ص 25 ) بقوله : . . . . والحال ان مشهد كربلاء من أعظم الأمصار ومجمع أخيار كل الديار ، والماء العذب يجري في غدرانها . والبساتين الغناء تحيطها . وقد قليل في فضيلة تربة كربلاء وثواب زيارة المرقد المنور الحسيني روايات كثيرة . ومعظمها صيغة بصورة شعرية (37) . وقد
____________
(35) راجع عن ذلك : صور الاقاليم للبلخي ( مخلوط في خزانة المؤلف ) ص 52 وجه ، المسالك والممالك تأليف الاصطخري سنة 340 هـ ، ص 85 ط ليدن . أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم تأليف المقدسي سنة 375 هـ ، ص 130 ط ليدن اسماء الامكنة والبقاع للزمخشري ص 119 ط ليدن . تقويم البلدان تأليف ابي الفداء صاحب حماة سنة ( 721 هـ ، ص 305 ط ليدن . مراصد الاطلاع لعبد الحق الحنبلي سنة ( 700 هـ ) وذكرها أيضاً الهروي في كتابه : ( الاشارات الى معرفة المزارات ) انظر أيضاً مجمع البحرين .
(36) صورة الارض تأليف ابن حوقل النصيبي سنة 367 ص 166 ، الطبعة الثانية لطبعة بريل سنة 1938 م .
(37) وقد استشهد بشواهد شعرية ، منها رباعية فضولي البغدادي ( المدفون في كربلاء ) . وهي :
آسودهء كربلا بهر حال كه هست كر خاك شود نميشود قدرش بست
برميدارند وسبحه ميسازندش ميكردانندش از شرف دست بدست

( 21 )

زارها الرحالة عباس المدني في القرن الثاني عشر فوصفها في ( نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس ص 84 ) بقوله : فلما أسفر الصباح عن وجه الهنا والانشراح رابع ربيع الأول ، عام ألف ومائة وواحد وثلاثين من هجرة النبي المرسل ، توكلنا على الرب العلي ورحلنا من مشهد علي قاصدين زيارة الشهيد المبتلى المدفون بكربلا الحسين بن علي ومن معه من الشهداء الصابرين رضوان الله عليهم أجمعين . ففي خامس الشهر المذكور أتينا على موضع يقال له الخان الأخير ومررنا في طريقنا بقبر النبي ذي الكفل عليه السلام فزرناه وبلغنا المرام . وفي سادس الشهر دخلنا أرض الحائر ، مشهد الحسين الطاهر . سلام الله عليه ، وعلى جده وأبيه ، وأمه وأخيه ، وسائر مواليه ومحبيه :
لله أيام مضت بكربلا محروسة من كل كرب وبلا
بمشهد الحسين ذو العلا ونسل خير الخلق من كل الملا (38)

حتى يقول : فتشرفت والحمد لله بالزيارة ، ولاح لي من جنابه الشريف اشارة ، فاني قصدته لحال ، وما كل ما يعلم يقال . وقرت عيني بزيارة الشهيد علي الأصغر بن مولانا الحسين الشهيد الأكبر . وزيارة سيدي الشهيد العباس بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأما ضريح سيدي الحسين : فيه جملة قناديل من الورق المرصع . والعين ما يبهت العين . ومن أنواع الجواهر الثمينة ، ما يساوي خراج مدينة . وأغلب ذلك من ملوك العجم . وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب يبلغ وزنه منين بل أكثر . وقد عقدت عليه قبة رفيعة السماك متصلة بالأفلاك . وبناؤها عجيب ، صنعة حكيم لبيب .
وقد أقمت شهرين بمشهد مولاي الحسين . بلدة من كل المكاره
____________
(38) ثم يثبت قصيدة طويلة من بحر الرجز للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي .
( 22 )

جنة ، كأنها من رياض الجنة . نخليها باصقات ومائها عذب زلال من شط الفرات . وأقمارها مبدرة ، وأنوارها مسفرة ، ووجوه قطانها ضاحكة مستبشرة . وقصورها كغرف الجنان مصنوعة ، فيها سرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة . وفواكهها مختلفة الألوان ، وأطيارها تسبح الرحمن على الأغصان . وبساتينها مشرقة بأنوار الورود والزهور ، وعرف ترابها كالمسك ولونه كالكافور .
وأهلها كرام أماثل ، ليس لهم في عصرهم مماثل . لم تلق فيهم غير عزيز جليل ، ورئيس صاحب خلق وخلق جميل . وعالم فاظل ، وماجد عادل . يحبون الغريب ، ويصلون من برهم وبرهم بأوفر نصيب . ولا تلتفت الى قول ابن أياس في نشق الأزهار بأنهم من البخلاء الأشرار . فلله خرق العادة ، فانهم فوق ما أصف وزيادة :
هينون لينون أيسار ذو كرم سواس مكرمة أبناء أيسار
ان يسئلوا الحق يعطوه وان خبروا في الجهد أدرك عنهم طيب أخبار
لا ينطقوا عن الفحشاء ان نطقوا ولا يمارون ان ماروا باكثار
فيهم ومنهم يعد المجد متلداً ولا يعد ثنا خزي ولا عاد
من تلق منهمتثقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري

واجتمعت بالرئيس المعظم والعظيم المفخم . ذي الشرف الباذخ والفخر الوضاح . مولانا السيد حسين الكليدار ، يعني صاحب المفتاح . وبأخيه الشهم الكريم النبيل العظيم ، مولانا السيد مرتضى ، حماه الله تعالى من حوادث القضاء ، وبالعالم العلامة الحبر النحرير الرحله الفهامة . ذي الوصف الجميل ، والذكر الحسن ، مولانا الفاضل الملا أبو الحسن ، فجمع بيني وبين الأمير المظفر الشجاع الغظنفر ، البحر الغطمطم ، الأسد الغشمشم ، بحر الأحسان ومعدن الكرم ، الأمير حسين أوغلي بيك أيشك أغاسي باشي حرم سلطان العجم . وكان قد أستأذن من السلطان في ذلك العام ، أن يسير الى العراق لزيارة الأئمة أعلام الهدى ومصابيح الظلام . . .


( 41 )

حادثة المناخور

وفي سنة 1241 وقعت واقعة عظيمة تعرف بواقعة المناخور ـ أمير الآخور ـ أي أمير الاصطبل . وذلك ان الدولة العثمانية كانت في ذلك الزمن ضعيفة لاحتلال الجيش الانكشاري واستقلال البلاد القاصية واشغالها بمحاربة العصاة في البلقان وطموح محمد علي والي مصر الى الاستقلال واستقلال علي باشا ذلتلي تبه في ألبانيا . وكان واليا على العراق آن ذاك داود باشا وكان تقيا عادلا ورعا ، مشهورا بالدهاء وفرط الذكاء . الا انه كان شديد الحرص على الانسلاخ من جسم الدولة ، والاستقلال بالعراق اسوة بمن تقدمه . فسعى بادئ ذي بدئ الى جلب قلوب الاهالي بما أنشأ من العمارات والبنايات والجوامع والتكايا . وقرب علماء العراق وبالغ في اكرامهم ونظم جيشا كبيرا وسلحه على الطراز الحديث . حينئذ فقام بعد ذلك يدعوا الناس الى بيعته . ولكثرة ما كان لديه من الأعوان بايعته أكثر مدن العراق العربي إلا ـ ( كربلا ) والحلة . إذ رفعا راية العصيان . وعند ذلك سير جيشا ضخما بقيادة أمير اصطبله . وكانت عشيرة عقيل تعضده فأخضع القائد الحلة واستباح حماها ثم جاء كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهرا ولم يقو على افتتاحها لحصانة سورها ومناعة معاقلها ولما رأى ذلك أقلع عنها ثم كر عليها ثانيا وثالثا فلم يفز بأمنيته الا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات من سنة 1241 الى سنة 1245 (5) . وكانت نتيجتها أن اسر الجيش نقيب كربلا فسجنه داود باشا في بغداد .
____________
(5) قال صاحب ( نزهة الاخوان في وقعة بلد القتيل العطشان ـ مخطوط ، تفضل به السيد حسن الكليدار ـ ) : لقد احصي تسع وقائع وقعت بين الفريقين . كان الفوز فيها من نصيب الكربلائيين وانهزام جند داود باشا .
فالواقعة الاولى هي واقعة ـ القنطرة ـ قتل فيها من الجند ثمانية عشر

( 42 )


____________
رجلان ومن الاهلين رجلان .
الواقعة الثانية : واقعة ( المشمش ) وقد سميت بذلك لان الجند قصدوا ان ينهبوا ، كما أفسدوا الزرع من قبل . وخرج الاهلون على عادتهم الى الجناة فاقتتلوا في أرض الجويبه ، وظهر البلديون على الجنود وهزموهم بعد ان قتل وجرح منهم خلق كثير .
والثالثة : واقعة الهيابي ، وهي من أعظم الوقائع وأشدها هولا . غطيت على أثرها أرض الجويبه وما يليها من أرض الحر والهيابي بجثث القتلى . وقد استمرت المعركة من الصبح الى الظهر . وانهزم الجند بعد أن قتل وجرح منهم جمع غفير . ومن جملة الجرحى القائد الشهير صفوق ـ وهو قائد الحملة ـ . . . ولما تحقق داود باشا من انكسار حملته بقيادة صفوق . عندئذ عقد لواء الحملة الى ـ المناخور ـ وكان هذا بصيرا بالحرب ، مشهورا بالضرب والطعن . سبق له فتح الحلة وماردين . فخرج من بغداد مع 1500 فارس مزود بالمدافع والقنابل ، وانفذ داوود على أثره من أصناف جنوده ، الى طلبه ، والداوديه ، والارسيه ، والتركية ، واليوسفية . ونقل الجند معسكرهم الى جهة الحر . ووصل المناخور الى كربلا فسد عنها الماء ليومه . وفيه تقدم الى المدينة فأطلقت قنابله عليها وهاجمه الكربلائيون ففر اصحابه واغتنمت ميرتهم . وهذه الواقعة هي الرابعة .
والواقعة الخامسة : واقعة ( الاطواب ) نسبة الى المدافع . وتسمى أيضاً بوقعة باخية . وهي واقعة عظيمة دامت ست ساعات . اطلقت فيها ( 46 ) قذيفة مدفع . وقيل أكثر من ذلك . ولم تصب أحداً بل كانت تقابل من جانب الاهلين بالهزء والسخرية . وقد قتل وجرح فيها الكثير من أفراد العشائر . وقد أغارت خيل المناخور على المدينة مرات عديدة وباءت كلها بالفشل . وقد خرج اليهم الاهلون فأصابوا من أعدائهم وعادوا ولم يقتل منهم الا شخص واحد ، وجرح أربعة أشخاص . وقد كف الجند عن القتال .
الواقعة السادسة : واقعة ( المخيم ) وهي واقعة عظيمة أيضاً . تبادل فيها الفريقان اطلاق القذائف المدفعية . دمر على أثرها احدى مدافع العدو وقد ابتدأت المعركة منذ الفجر . ولم تمض ساعة حتى أن انهزم العدو ثم عادوا القتال بعد ساعة ، فكثر القتلى والجرحى منهم ففر الجند أيضاً .

( 43 )


____________
وقد أصيب في هذه المعركة أربعة قتلى من الاهلين .
الواقعة السابعة : واقعة ( الرايه ) اقتتل فيها الفريقان خارج البلدة انتصر فيها الاهلون واستولوا على خيولهم ومدافعهم وبنادقهم .
الواقعة الثامنة : واقعة ( بني حسن ) وهي عظيمة أيضاً وذلك ان المناخور أحس بعجز جيشه وتخاذلهم . فعدل الى الاستنجاد بالعشائر واجابه فيمن اجاب : بنو حسن ـ ناكثين عهدهم مع أهل كربلاء ضامنين للمناخور فتح المدينة ، حتى تقدموا أمامه بعد العشاء الآخرة . من جهة المخيم وتمكنوا من عبور الانهار وتسلق الجدران . ونشبت الحرب بينهم وبين الاهلين . وحمل فرسانهم ، وحمل الجند ثلاث مرات . فأخفق الجميع وجرح منهم جماعة .
الواقعة التاسعة : واقعة ( الامان ) لان المناخور أوقعها بعد صدور العفو والامان من داود باشا . طمعا بفتح المدينة . فقد تقدم في منتصف ليلة ذي القعدة سنة 1241 ـ قد أطال المؤلف في سرد تفاصيل هذه الواقعة ، واليك مجملها :
فلما باءت كل محاولات داود باشا لاخضاع كربلا بالفشل استنجد بعرب عقيل القصيم والاحساء ، فعسكر هؤلاء على صدر ( الحسينية ) وامر داود بقطع الماء عن كربلا ، ولما لم تجد أيضاً هذه المحاولات فتيلا ، أمر داود باشا اعراب الشامية أن يقطعوا طريق كربلاء وينهبوا السابلة فيها ، وقد ضيقوا الحصار على المدينة وقطعوا الاتصال الخارجي بها ، فعند ذلك لم ير الاهالي بداً غير الصلح مع داود باشا ، فدخل الاخير كربلاء ظافرا .


( 44 )

حادثة نجيب باشا

(1) وفي سنة ( 1258 هـ ) شق أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة ، وأبوا أداء الضرائب والمكوس وكان والي العراق نجيب باشا قد جهز جيشا بقيادة سعد الله باشا ، وسيره الى كربلاء فحاصره حصاراً شديداً ، وأمطر المدينة بوابل قنابله . ولم يساعده الحظ علي افتتاحها لأن سورها كان منيعا جداً وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها ، ولما اعيت به الحيل الحربية ، التجأ الى الخداع فأعطى الأمان للعصاة ، وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤوا طائعين ، قبض عليهم وسلط المدافع على الجهو الشرقية فهدم السور وأصلى المدينة نارا حامية ، ففتحها وارتكب فيها كل فظاعة وشناعة ، ودخل بجيشه الى الصحن العباسي ، وقتل كل من لاذ بالقبر الشريف .
وبهذه الموبقات عادت سلطة الحكومة الى تلك الربوع والله علام الغيوب .
____________
(1) قد جاء في زنبيل قرهاد لميرزا معتمد الدولة عن هذه الحادثة ما ترجمته : بواسطة كثرة الاوباش في كربلاء ـ وكانت آنذاك ملجأ كل مجرم هارب من العقاب حتى صار ينطبق عليها القول المأثور ( من دخلها كان آمنا ) ـ ان بلغ الامر بها الى حد أن خرج الامر من يد حاكم كربلاء ولم يطع هؤلاء أوامر والي بغداد وامتنعوا من دفع الضرائب . وكانوا يعتمدون على الزائرين والمجاورين حتى ان سكنة كربلاء لم يبق لهم المجال في السكنى بها ، وكان اليارماز ـ الاسم الذي عرف به هؤلاء الاوباش ـ يشكلون عصابات ترفع كل منها راية العصيان . ولم يتمكن علي رضا باشا والي بغداد الذي مر على حكمة في بغدادا اثنى عشر عاما ـ من اخماد هذه الفتنة . حتى ان نصبت الدولة العثمانية محمد نجيب باشا واليا على بغداد بعد ان كان واليا على الشام . ( في الدولة العثمانية كان والي بغداد بمثابة وزير ثاني ) وكان هذا سفاكا غدارا معروفا بالمكر ولم يكد يستقر في مركز ولايته الجديدة حتى جهز جيشا جرارا وبعثه صوب كربلاء .
وبعد حصار دام ثلاثة أيام دخل كربلاء . وقد اجرى القتل والأسر
( 45 )

فتنة علي هدله

(1) وفي سنة ( 1293 هـ ) ظهرت فتنة في كربلاء فعرفت بفتنة علي هدله ، وذلك ان جماعة من المفسدين حرضت الأهالي على مناوئة الحكومة وكانت
____________
بدرجة فظيعة . وفي 11 ذي الحجة سنة 1285 هـ أمر بالقتل العام لمدة ثلاث ساعات . ومن المحقق ان تسعة آلاف شخص قد ابيدوا عن آخرهم في تلك المدينة المقدسة ، فضلا عما نهب من الأموال والأحجار النفيسة وأثاث البيوت والكتب التي لا تعد ولا تحصى .
وفي صحن سيدنا العباس ، ربطوا الخيل والجمال ، وقتلوا كل من لاذ بأروقه الحرم الحسيني والعباسي وكذلك فعلوا في البلدة ، سوى دار السيد كاظم الرشتي ، التي كانت دار أمان ، وكل من تمكن من الهروب نجا ومن بقى كان نصيبه القتل ، وهدموا الالواح التي كانت تزين جدران الروضة الشريفة . وبعد القتل العام أصدر الوالي أمرا بتعيين حاكم على كربلاء . وفي اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور رجع نجيب باشا قافلا الى بغداد .
ولابن الالوسي ـ وكان من فضلاء أهل السنة ، وقاضي عسكر نجيب باشا بيتان من الشعر قالهما ارتجالا بعد وقوع الحادثة :
احسين دنس طيب مرقدك الألى رفضوا الهدى وعلى الضلال ترددوا
حتى جرى قلم القضاء بطهرها يوما فطرها النجيب محمد

وقد رده الشيخ عزيز ابن الشيخ شريف النجفي بقوله :
اخساً عدو الله ان نجيبكم رفض الهدى وعلى العمى يتردد
ولئن به وبك البسيطة دنست فابشر يطهرها المليك محمد

وقد ردا أيضاً الحاج ملا محمد التبريزي بقوله :
اخساً عدو الله ان نجيبكم كيزيدكم شرب الدماء تعودوا
هذا ابن هند والمدينة والد م المهراق فيها والنبي محمد

وله أيضاً :
تبا لأشقى الأشقياء نجيبكم نصب الحسين وفي لضى يتخلد
لا تعجبوا مما أتى اذ قد أتى بصحيفة ملعونة يتقلد

(1) هذا مجمل الحادثة . أما تفاصيلها فهي كما يلي : في أوائل عام 1293 هـ أعلنت الحكومة العثمانية النفير العام في كربلاء . فأخذت جموع المكلفين بالفرار من سلك الجندية . وكان هناك جاسوس من قبل

( 46 )

افكار الأهالي مستعدة لقبولها . فألفت عصابة بقيادة علي هدله وقابلت الجيش العثماني ودمرته في مواقع متعددة ، ولما رن صدى هذه الحادثة في الاستانة قلق السلطان المخلوع وأصدر ارادة سنية بارسال جيش الى كربلاء
____________
الحكومة على الفارين . وهو مختار باب الطاق المدعو حسين قاسم حمادي فمن كثرة ما اصاب الناس على يد هذا المختار من المحن . ان قتلوه في مقهى المستوفي الواقعة في محلة باب الطاق . فعندما قتل هذا المختار ، تولت الحكومة المحلية القبض على المتهمين ، ففر جماعة منهم وخيموا خارج السور في البستان المعروفة ببستان ( جعفر الصادق ع ) . أخذوا يعبثون بالأمن . وحرضوا الأهالي على مناوئة الحكومة وكانت الأفكار مستعدة لقبولها . فالفت عصابة بقيادة القهواتي ( علي هدله ) وقابلت جيوش العثمانيين ودحرتهم في مواقع متعددة . وكانت عصابتهم تتألف من ( 150 ) شخص ، يقومون بحرب العصابات ، وذلك بتحريض من الحاج محسن كمونة والحاج حسن شهيب ويمدونهم بالمؤنة والذخيرة ، واختلطت معهم بعض أفراد من عشيرة حجيل والزونبات . فاستحفل امرهم حتى رن صدى هذه الحادثة في الأستانة . فقلق السلطان عبد الحميد خان واصدر ارادة سنية بارسال جيش الى كربلاء وهدمها وقتل من فيها عن بكرة ابيهم ، واناط تنفيض الارادة الى عاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا . وكان هذا القائد للجيش فجاء الاثنان الى كربلاء بصحبة النقيب السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني وضربوا المضارب قرب المدينة ، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان من عام ( 1293 هـ ) وكان قيام علي هدله في ( 3 ) ربيع الاول من عام ( 1293 ) . فلم ير الوالي آثار العصيان في المدينة ، وقد علم بعد البحث الطويل ان العصاة عصابة ارتكبت اثما واقترفت ذنبا يطاردها الجيش ، وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الارادة السينة على سكانها ، وأخذ البرئ بجريرة المذنب فأحجم عن تنفيذ الأوامر فنجم من ذلك خلاف بين الوالي عاكف باشا المصر على امر الهدم ، والقائد حسين فوزي باشا فراجع الاستانة خاطباها بالامر ، وبعد اخذ ورد صدر الامر بالعفو ، فرحل الجيش بعد ان قبضوا على مثير الفتنة وموقد نيرانها ، وحوالي ( 70 ) شخصا بضمنهم علي هدله مع المرحوم الحاج محسن كمونه وحسن شهيب وجماعة غيرهم ، فساقواهم الى بغداد واردعوهم السجن في أوج قلعه مدة تزيد على السنة ، ( نقلا من تاريخ كربلاء جـ 3 المخطوط للسيد محمد حسن كليدار ) .
( 47 )

وهدمها وقتل من فيها عن بكرة ابيهم ، واناط تنفيذ هذه المهمة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا . وكان هذا قائدا عاما للجيش فجاء الأثنان الى كربلاء يصحبهما احد نقباء بغداد السابقين ، وضربوا المضارب قرب المدينة فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرد . وقد علم بعد البحث الطويل ان العصاة : عصابة ارتكبت اثما واقترحت ذنبا يطاردها الجيش . وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الارادة السنية على سكانها ، وأخذ البرئ بجريرة المذنب فأحجم عن تنفيذ الاوامر . وفاتح القائد العام ، فأبى هذا الا الاصرار على تنفيذ الاوامر فنجم من ذلك خلاف بينهما ، فراجع الاستانة . وخاطبها بالامر . وبعد أخذ ورد . صدر الامر بالعفو . فرحل الجيش عنها بعد ان قبض على مثيرى الفتنة وموقدي نيرانها . قادهم الى بغداد وهناك القاهم في اعماق السجون والعذاب .

كربلاء في القرن الرابع عشر

وقعة الزهاوي للعجم :

وبعد وقوع الصلح بين الأهالي والحكومة العثمانية قررت الحكومة فرض غرامة على البلدة . وهي ان تدفع الكسبة عن كل دكان في كل شهر ـ ما يساوي (12) آنه الى مدة محدودة من السنين وبعد انتهاء المدة استمرت الحكومة على استيفاء تلك الضريبة ، فامتنع الكسبة واكثرهم ايرانيون عن الدفع . وقد رفعوا شكوى فلم تسمع لهم شكاية . فالتجأوا الى التحصن بالسفارة الانكليزية التي في كربلاء . ونصبوا الخيام حولها واستظلوا بها . وكلما نصحتهم الحكومة والعلماء والاشراف لم يقبلوا فصممت الحكومة على تفريقهم بالقوة وكان المتصرف يومئذ رشيد الزهاوي . وفي ليلة من اخريات شهر رمضان سنة 1324 أخطرهم أول الليل فلم يتفرقوا وبينما هم نائمون في خيامهم أمر الزهاوي الشرطة أن يضربوهم بالرصاص قبل الفجر ، فضربوهم ، واصيب من الايرانيين حوالي


( 48 )

الخمسين شخصا بين قتيل وجريح . وانهزم الباقون . فهجم العسكر على خيامهم وانتهب ما فيها .

حادثة حمزة بك :


وفي سنة 1333 ليلة النصف من شعبان ، وكانت كربلاء غاصة بالزوار الواردين من الاطراف للزيارة ، ثار أهالي كربلاء في وجه الحكومة أيام اشتغالها بالحرب العامة . بعد شدة ضغط الحكومة على أهالي كربلاء والنجف فهجموا على السجن واخرجوا المسجونين وانتهبوا دوائر الحكومة وبيوتهم ففر المأمورون والموظفون أجمع . فجاء المتصرف حمزه بك مع قوة ودخل البلد من جانبها الشرقي وتحصنوا في بعض الخانات والبيوت الحصينة . وصار الطرف الغربي بيد الأهالي ولم تزل الحرب قائمة بين الطرفين عدة أيام . وقتل من الجانبين خلق كثير وانتهت المعركة بعد قتل ذريع وخراب اكثر البيوت والمنازل بهزيمة العسكر . وانتهاب الاهالي اسلحتهم وذخائرهم . وبقيت البلدة بيد الأهالي الى أن احتلها الانكليز .

ثورة العشرين :


وفي سنة 1920 م ثارت البلاد بثورتها الدامية المعروفة وخاصة جهة الفرات فيها ، كان أول ما اندلع لسان الثورة من كربلاء وذلك لأمرين : (1) وجود آية الله الشيرازي قطب الوطنية الصادقة في كربلاء (2) زيارة نصف شهرشعبان ، وهي الزيارة الوحيدة التي يجتمع فيها سائر المسلمين والقبائل . وكان قد عين في أيام الثورة السيد محسن أبو طبيخ متصرفا في شئون اللواء وما يتبعه وقد انعقدت في كربلاء عدة مؤتمرات هامة في هذا الشأن لاجل السعي وراء صالح البلاد العراقية نخص بالذكر منها المؤتمر الكبير الذي انعقد في 9 شعبان سنة 1340 وذلك بمناسبة تجاوز ( الأخوان ) على حدود العراق فدعى الامام الخالصي رؤساء القبائل القاطنة على ضفاف دجلة والفرات وديالى الى حضور المؤتمر في كربلاء . وكان انعقاد المؤتمر


( 49 )

المذكور في دار آية الله الشيرازي المتقدم الذكر . فكان الحيث المهم بينهم في صالح البلاد . وعلى كل حال فكربلاء هي المدينة المهمة التي لها أصل وأساس متين في شؤون البلاد العراقية ونهضتها أولا وآخرا . والحمد لله على ذلك . ووفق الله رجال الامة الى خدمة بلادهم .

يوم ورود الشعرات النبوية الشريفة الى كربلاء


وكان يوم ورود الشعرات الشريفة الى كربلاء من الأيام المشهورة اذ هرع الاهلين رجالا ونساء حتى الاطفال للاستقبال واحتفلوا به أشد واعظم احتفال ، لم يشاهد مثله حتى اوصلوه الى الحفرة الشريفة ووضعوه في محله . وقد قال الشعراء في ذلك منهم المرحوم الميرزا محمد حسين . الشهرستاني في ورود الشعرات الشريفة النبوية صلى الله عليه وآله وسلم لتوديعها في الروضة المطهرة الحسينية . وكان حاملها والي بغداد الحاج حسن رفيق باشا سنة 1310 الف وثلاث مئة وعشرة هجرية :
كربلا طلت الثريا شرفا وبعلياك السماك اعترفا
منذ غابت فيك اقمار الهدى اورثت في كل قلب اسفا
اظلم الدنيا على ارجائها حيث فيها بر ثم خسفا
بقى الظلمة حتى انكشفت بقدوم الحبر كهف الضعفا
حضرت الوالي بامر من به قام حصن الدين والامر صفا
فخر هذا العصر سلطان السما وهو ذا عبد الحميد ذو الوفا
رفع الله لواء نصره اذ به ايد شرع المصطفى
اشرق الدنيا به مذ قدما مع شمس اورثته الشرفا
كشفت كل دجى كان بها وبمرآها الظلام انكشفا
قيل ماذا النور قلت : ارخوا هاكموا شعرة وجه المصطفى



( 50 )

وله مؤرخا بالفارسية ورود الشعرات الشريفة النبوية (ص) .
بعهد بادشاه عبد الحميد آن اختر درخشان شد بكيتي افتابي تازة ازخاور
هما يون مويه برنور حبيب الله شد ظاهر زنورش بيه توي امد شعاع نير أكبر
بندشا يسته منزلكه اين نور رباني مكر انكس كه بيغمبر از بداو زبغمبر
فرستاد ان شه غازي بسوي كربلا انمو بهمراه همايون والي بغداد نيكوفر
بتعظيمش خلائق جمله استقبال كردندي كه بد شايسته تعظيم خلق از خالق أكبر
بشد برجشم بد خواه بيمبر مزيه جن بيكان بشد بر قلب شكاك منافق مويه جن خنجر
كجا شك ميتوان كردن دراين مطلب كه اثباتش هو يدا كردد ان تاريخ سالش مو بيغمبر
1310 هـ
بسي شايسته باشد بادشاه را بعد از اين احسان براي موي بيغمبر نكيرد زين بلد عسكر



( 51 )

وصف الحائر الحسيني

ان الذي يجلب المسلمين الى كربلاء هو وجود قبر الحسين بن بنت رسول الله (ص) واخبه العباس بن علي (ع) وقبور اصحابه واعوانه الذين استشهدوا معه في واقعة الطف أو يوم عاشوراء سنة 61 هجرية ( أو 650 ميلادية ) . وبذلك أصبحت كربلاء مقدسة ومزارهم . فيأتي اليها كل سنة لزيارة التربتين تربة الحسين وتربة العباس عليهما السلام من كل حدب وصوب زرافات وجماعات قادمين اليها من ديار قاصية وربوع نائبة ، كديار العجم وربوع الهند وآسيا الوسطى حيث يكثر الشيعيون ولهذا ترى كربلاء لا تخلو من غرباء يعدون بالآلاف للغرض نفسه .
وها نحن نصف للقراء ما في جامع الحسين (ع) من المساجد العجيبة الرائقة البديعة الصنع الفائقة الحسن ومن الابنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به تقي الشيعة وتدينهم وحبهم لآل البيت مستغنمين به عن وصف جامع العباس (ع) لقرب المشابهة بين
____________
(1) ان المؤلف لم يتعرض لتاريخ بناء الصحن العباسي ووصفه . لان تاريخ الصحن العباسي ملازم لتاريخ بناء الحائر في مختلف العصور فان معظم من حظوا بشرف تعمير ززخرفة الحائر الحسيني . قد قاموا بنفس تلك التعميرات في حرم اخيه العباس . فأول بناء اقيم على القبر المطهر هو عمارة عضد الدولة فنا خسروا البويهي . وقد جدد عمارته الشاه طهماسب الصفوي ( قمر بني هاشم ص 126 ) . وقد جاء في رحلة ( ناصر الدين شاه الى كربلاء ص 137 ) ان أمين الدولة صدر الأصفهاني هو الذي شي القبة العالية على الحضرة العباسية وغطاها بالكاشاني النفيس . وفي سنة 1295 أمر فتح علي شاه القاجاري بصنع ضريح من الفضة الخالصة الى مرقد العباس (ع) وبذل لذلك ( 6000 تومان ) من ماله الخاص . وقد تعاون لانجاز الضريح كل من الميرزا هدايت نوري المستوفي والميرزا تقي نوري المستوفي . وقد توفي فتح علي شاه سنة 1250 قبل أن يتم الضريح ( مجلد
( 52 )

الجامعين ان وضعا وان زخرفا ، وهو من أعظم مساجد العراق واتقنها هندسة وصناعة وابدعها حسنا وبهجة .
وهو على شكل مستطيل طوله قرابة سبعين مترا في عرض يقارب (55) مترا وللمسجد (7) أبواب ضخمة جميلة الوضع وعلى كل باب طاق مرتفع بالحجر المعقود بالحجر القاشاني .
وكل باب ينتهي بك الى حي من أحياء المدينة . وفناء المسجد كله فضاء واسع الارجاء مفروشة أرضه بالرخام الابيض الناصع وكذلك جدرانه . فان وجه أسفله منشئ بالرخام الى طول مترين وما فوق ب\مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت . ويحيط بفناء الصحن جدار يحصنه قد اقيم عليه كلفتان .
وفي الطبقة السفلى قرابة (65) غرفة جملية أمام كل غرفة ايوان ذو سقف معقود بالقاشاني .
وفي وسط فناء الصحن الروضة المقدسة وهو من اعجب المباني واتقنها وابدعها شكلا واوفرها حظا بالمحاسن .
أخذت من كل بديعة بطرف يدخل اليها من عدة أبواب لا مجال لذكرها . واشهر أبوابها باب القبلة ويطلق لفظ باب القبلة على باب الصحن الشريف ، اما باب الروضة يطلق عليها باب ايوان الذهب . وهو من الفضة الفنية الصياغة وفي جوانبه سهوات محكمة البناء بديعة الشكل على هيئة التجاريب مرصعة بقطع من المرايا تأخذ بمجامع القلوب .
امامه صفه مفروشة أرضها بالرخام ، وكذلك جدارها الادنى فانه
____________
القاجارية من ناسخ التواريخ ص 275 ) . وقد اكمل الضريح ونصبه في محله على الروضة المطهرة خلفه محمد شاه والد ناصر الدين شاه ( نفس المصدر ص 480 ) . لزسادة التفصيل راجع ( قمر بني هاشم ص 126 ) . ( عادل ) .